الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

عمر المختار وهو اسير

ابن زريق البغدادي

ابن زريق البغدادي

عمر المختار


ايتالو كالفينو
التي أتاحت لكتاب الرواية في ا لعالم مجالات خصبة لم تسبرها أقلامهم من قبل ومثلما فعلت رواية جيمس جويس يوليسيس من تغيير شامل لآليات كتابة العمل الروائي، حيث كانت رائدة في استخدام المونولوج الداخلي، ونقل المشاعر الداخلية للشخصيات الروائية، وجعلت القارئ يغور في داخل الشخصيات التي يتعامل معها، ولم يعد يقرأ عن شخصيات مرسومة من الخارج عبر شبكة من علاقاتها الانسانية، وبذلك مهد جويس للقارئ فرصة المشاركة الفــعلية، الوجدانية، في المتن السردي للرواية، اضافة الي اللعــب في الزمن الروائي كنتيجة طبيـعية لاستخدام المونولوج، وبذلك فقد استطاع جويس أن يكتب رواية كبيرة من حيث الحجم والأهمية في زمن الرواية الذي لا يتعدي يوما واحدا، وحصر الزمن الروائي بهذه الفترة الزمنية القصيرة أتاح للروائي أن يقول كل شيء عن بطله، وأن يكون شاهدا علي عصره، وأن تكون الشهــادة ممتلئة تماما الي حد النبض الخافت لأخلاق وأفكار وممارسات وأحلام أهل مدينة دبلن، ومن هنا جاء كشف جويس لغيره عن طرائق الكتابة الروائية الحديثة، وقد أكمل كالفينو في الخمسينات والستينات من القرن العشرين التمهيد لعالم روائي يمتلك من الوسائل والطرق، التي تضاهي اكتشاف السينما والتلفزيون ومزج السمعي بالمرئي في كتابة مقروءة. 
ايتالو كالفينو: 
ايتالو كالفينو كاتب ايطالي معاصر، معروف، وقد استغرب الكثيرون من متابعيه عدم حصوله علي جائزة نوبل وموته في الثمانينات من القرن الماضي وذهابها بعد ذلك بسنوات قليلة أي عام 1997 الي مواطنه داريوفو، الكاتب والممثل المسرحي، الذي قبل منحه جائزة نوبل كان مغمورا خارج بلده. 
ولسنا في صدد اعادة الحق الي صاحبه، ونحن نعرف الأبعاد السياسية والفكرية، والحسابات التي يجريها أهل نوبل قبل منحها الي أديب ما في مختلف أصقاع العالم، لا في ايطاليا وحدها ولنا كعرب تجربة مريرة مع هذه الجائزة التي حطت مرة في ربوعنا والله وحده يعلم ما الأسباب الحقيقية لمنحها مع علمنا أن الكثيرين من نوابغ الأمة العربية يستحقون هذه الجائزة وخصوصا في عالم الشعر لا في عالم الرواية والقصة ونحن أمة شاعرة وليست أمة ناثرة وقد تحداها الله تعالي فيما سيكتبه شعراؤها من شعر لمحاكاة سورة من سوره القصيرة، ولست هنا من المقلبين في شؤون هذه الجائزة وأسرار منحها لهذا المبدع أو ذاك، وغاية كتابتي هنا لتوضيح لما لكالفينو من فضل علي الأدب العالمي ودون غضاضة من أنه لم ينل النوبل تلك... 
مدن لا مرئية 
في مدن لا مرئية يرسم لنا الكاتب مدينة البندقية الأسطورية، التي تغيب في البحر كل سنة بضعة سنتيمترات ـ لا فرق بين هذا وذاك ما دامت المدينة التاريخية، بكل حملها الثقافي والأثري تغيب في لجج الأمواج المالحة، كل عام، وما أن ينتهي القرن القادم من عام ألفين إلا وتكون المدينة الساحرة بكل ذكرياتها وأحجارها وهندسة مبانيها قد ذهبت كأطلانتس المختفية (1) وما يبقي لنا منها سوي ما التقطته الكاميرات من صور وما أبدعه الفنانون من لوحات والتقاط لجزئيات من تلك المرئيات، وما دونه الكتاب عنها في كلمات مباشرة أو ما انعكس تضمينا في نصوصهم وقصائدهم وقطعهم النثرية.أوراق ماركو بولو الرحالةما يهمنا في رواية مدن لا مرئية هو التقاط مدينة البندقية الموشكة علي الغرق، فتلك المدينة تظهر في أوراق ماركو بولو الرحالة الايطالي المعروف، الذي هاجر من المدينة في القرن السادس عشر الميلادي وذهب الي الصين وبقي هناك لأكثر من عشرين عاما، حيث قابل امبراطور الصين قوبلاي خان، ودار الحوار بين الاثنين حول البحر وفلسفة الحياة وأساليب الحكم، وهنا جاءت الكثير من أحكام ميكافللي وطروحاته فيما بعد في كتابه المهم، الأمير فوجد قوبلاي خان ماركو بولو رجلا محنكا يمكن الاعتماد عليه في البحث عن فلسفة للحكم، فبعثه لادارة الحكم في ولاية بعيدة من ولايات امبراطورية الصين، المترامية الأطراف، وفي الطريق الي تلك الولاية البعيدة، كانت المدن تظهر لماركو بولو وأصحابه وتختفي، متتابعة في حلمية رائعة، أيا تكون تلك الشواهد المنحوتة من السراب والخيال، والأفكار التي كان بدوره يتلوها علي صديقه في السجن الفينسي القديم ـ نسبة الي فينسيا البندقية ـ بعد عودته الي وطنه ووضعه في السجن من قبل حاكمها. 
عالم ضاج من السحر والتغريب: 
وجعل ايتالو كالفينو تلك المذكرات القديمة للرحالة العجيب مادة خصبة، لاكمال تصوير عالمه الروائي، ونقل شذا الشرق وسحره، وأساطيره، وايجاد تلك الغرائبية المبثوثة في حيوانات مؤنسنة: تحريك الأشياء عن بعد، وعندما يجلس الامبراطور الصيني علي كرسي الحكم فان الأقداح ترتفع في الهواء وتصير في متناول يديه، الرؤوس المقطوعة يعاد لصقها، الغرف المركبة تنفتح علي بعضها في متاهات معقدة التشابك وتقودك الممرات الي أبواب ومسالك ودهاليز مظلمة، وتري السحرة وهم يغيرون في لحظة اشكالهم ووجوههم . عالم ضاج من السحر والتغريب رسمه ايتالو كالفينو في مدن لا مرئية . يقول مترجم رواية مدن لا مرئية الشاعر ياسين طه حافظ في تقديمه لها: مدن لا مرئية الذي اخترت ترجمته، هو أول كتاب قرأته لايتالو كالفينو وأثار دهشتي، رواية، نعم رواية، هكذا يقول النقاد، تثير المشاكل نفسها التي اثارها الكاتب من قبل، ولكن بأسلوب مختلف وبايجاز جميل ومذاق فيه العمق الثقافي ونكهة الشرق البعيدة والمؤثرة ـ مدن لا مرئية ص 9، ويبقي الكاتب ـ ايتالو كالفينو ينشر الاختلاف في ما كتب لاحقا، ومن الأمور الثابتة في الابداع أن الحدود ملغاة، ويبقي الابداع قائما حتي اذا لم تستوعبه القوالب الأدبية الجاهزة المتعارف عليها الآن، ومهما اختلفت المسميات وتشابكت آراء النقاد حول مدن لا مرئية وحول كاتبها ايتالو كالفينو، يبقي المتن السردي هو الحقيقة الوحيدة المسلم بها، وربما يحل الكاتب ذاته الإشكال حول روايته، حين يقول في توطئته لها: عندما أبدأ بكتابة شيء جديد أفعل ذلك وكأنني لم أكتب شيئا من قبل . انها محاولة من الكاتب للخلاص من القوالب الموضوعة سلفا، إنه يطمح في حقيقة الأمر الي كتابة المهم الذي يتكئ علي الأبدية شكلا ومضمونا، وهذا في اعتقادي هو تحديث كالفينو في جسد الرواية العالمية، دون وضع العلامات والأطر الشكلية لتحدي شكل الجنس الابداعي، اضافة الي ما يهمنا كعرب فإنه الكاتب اليساري المميز الذي تفهم قضايا عالمنا العربي العادلة كقضية فلسطين وانحاز الي الحق والعدل من دون أن يتأثر بأجواء الكراهية التي عادة ما تسيطر علي أبواق الدعاية في ايطاليا خاصة وأوروبا عامة. قصص من نوع آخرفي كتاب السيد بالومار ، كتاب ايتالو كالفينو الصادر عام 1985وهو عبارة عن تقارير أدبية مفعمة بدقة الكلمات، وكتابات وصف ودفتر لبيوغرافيا انسان يستنطق الأشياء القريبة، التي في متناول اليد، يتأمل الغروب وينظر الي النجوم والحيوانات في حديقته، ثم يقول لنا جملته الأخيرة بعد أن مسه اليأس: نحن لا نستطيع أن نتأمل ما تعودنا علي رؤيته في داخلنا (2). 
في مجموعة إيتالو كالفينو القصصية ماركو فالدو(3) التي كتب قصصها الأولي في بداية الخمسينات صورت ايطاليا الفقيرة، أما القصص الأخيرة من المجموعة فقد كتبت في منتصف الستينات بعد أن انتعش الاقتصاد الايطالي، وظهرت معالم التغيير علي حياة الناس هناك نتابع في المجموعة قصص كالفينو، انها قصص من نوع آخر،لا كما التعريف الذي اقترحه يتيس للقصة القصيرة (4)، إنها قصص من نوع آخر تتفق مع القصة القصيرة المتعارف عليها في أمور وتختلف عنها في أمور أخري كثيرة، ويتمثلها المتلقي كقصائد نثر متميزة، مفعمة بقيم الانسان وحب الطبيعة وتحمل محاولات الانسان وتوقه الدائم للرجوع الي عوالم فطرته الأولي، وحياته القديمة الذائبة في رحاب التدفق والألفة، فماركو فالدو بطل كل قصص المجموعة، هو وجه آخر لدون كيشوت سرفانتس، وكما معروف ان سرفانتس أراد الرجوع لمفاهيم الفروسية النبيلة في العصور الاقطاعية، لإدانة رذائل عصره، دون أن يخطر له علي بال أن تلك المفاهيم القديمة قد ذهبت الي الأبد، وهنا يتبادر الي ذهننا ما كتبه راي ب. وست عن بنية القصة القصيرة: إن فنانا قد تصدي لانتاج قصة ما، فهو لا يصمم أفكاره لتتفق وحوادث قصة ما، بل إنه يتعمد أن يأخذ بعناية تامة لاستحداث أي أثر قوي، فذ، فهو يبتكر أحداثا، أو ينسق أحداثا، بأفضل شكل يساعده علي تثبيت الأثر المتخيل مسبقا (5) وهنا يعنينا أن نقول ان كاتبنا لا يعتني بطرائق الكتابة بقدر رغبته المسبقة في ايصال نبضات شخصية ـ ماركو فالدو ـ الي ذهن المتلقي، كصورة معادلة لدون كيشوت الإسباني، ودون أن يعني بشروط الومضة في القصة القصيرة. ان العلاقة تبدو واضحة بين ماركو ـ ايتالو كالفينو ودون كيشوت سرفانتس ـ فقد رسمت الشخصيتان بالطريقة التهكمية، المضخمة. اللامنطقية. نفسها ـ وقد وضع سرفانتس نموذجه لادانة المجتمع الاقطاعي، وعمد الكاتب الايطالي لادانة المجتمع الصناعي في القرن العشرين، ومثلما فعل دون كيشوت حين حارب طواحين الهواء، فان ماركو فالدو حاول بامكانيته البدائية رفض المجتمع الصناعي بامكانياته البدائية أيضا لقد رفض المجتمع الصناعي بامكاناته الهائلة، وهيمنته الطاغية، وكانت المبارزة بين 
الجانبين فرصة سانحة للمزيد من سخرية المتلقي وتهكمه، فماركو يقدس الطبيعة وحاول بما وصلت اليه يداه حمايتها من زحف المنطق الصناعي الجديد ومردودا ته المادية، وادانة قيمه التي لا تعطي لروح الانسان وحلمه اية أهمية، لقد حدثت مبارزة حقيقية بين كالفينو المبدع الايطالي للعصر الصناعي وسرفانتس مبدع فترة العصر الاقطاعي. 


عالم كالفينو الجميل 


في الفطر في المدينة نجد ماركو يتحين الفرصة لالتقاط الفطر النامي هنا وهناك: ذات يوم، وعلي جانب الشريط الضيق من الأرض المحيطة بجادة المدينة، هبت عاصفة من البذور لا يعلم غير الله من أين أتت منبتة الفطر، ولم يلاحظها أحد سوي ماركو فالدو العامل الذي يستقل عربة الترام من ذلك المكان كل صباح ـ ص 13 ماركو فالدو ـ رسم كالفينو بالكلمات لوحة ساخرة لنزوع ماركو لاغتنام فرصة ما توفره الطبيعة، من خيرات في المجتمع الصناعي الجديد: لقد وجدوا جميعا الكثير من الفطر ولأنهم لا يملكون سلالا فتحوا مظلاتهم وجمعوا الفطر فيها .. وفكروا أن يقيموا وليمة كبري لهم جميعا . 
علي أي حال، لم يمر وقت طويل حتي عادوا ليروا بعضهم بعضا، ففي ذلك المساء تجمعوا في عنبر واحد من المستشفي بعد أن أجريت لهم جميعا عمليات غسل المعدة ـ ص16 ماركو فالدو ـ ان المفارقة المرة، ولعنة المجتمع الصناعي الجديد تقع حين يكون الفطر الذي أنبتته الطبيعة الملوثة بنتاج الصناعة مسمما، وهنا تقترب شخصية، ماركو فالدو من دون كيشوت وتتطابق الشخصيتان، ولكن باختلافات بسيطة يفرضها كل ظرف وناموس علي نتاجه الثقافي وطبيعته التاريخية. غصن مقطوعوفي اجازة علي مقعد حديقة يحاول ماركو فالدو أن يقضي ليلة علي مصطبة في حديقة قريبة من بيته، ليخنق داخل نفسه الشعور انه ينام في الغرفة الضيقة، المزدحمة بأفراد عائلته، بين أطفاله وزوجته، ولكي يري القمر دون أن تحجبه الجدران والبنايات العالية، لكنه يفاجأ بمنغصات الحديقة، الكثيرة، أضواء اشارات المرور في الشارع المضيئة والمنطفئة كل لحظة، وعاشقان يحتلان المصطبة التي كان قضاء ليلته عليها، وحين يغادرانها يؤرقه تمثال جنرال يمد سيفه الحجري في الهواء، ويأخذ ماركو في التقلب علي المصطبة، والنعاس لا يأتيه، وعند ذلك يقطع غصنا مورقا من الشجرة القريبة ليغطي به السيف ليقطع سيل الضوء، فيقع سوء الفهم . ان حلم ماركو بقضاء ليلته وسط الطبيعة الخلابة ونور القمر ينير قمم الأشجار يتبدد ويتلاشي ويتحول ذلك الحلم الشفاف الي كابوس يجثم علي صدره ويطرد النوم عن عينه، مما يضطره في النهاية الي التجوال في المدينة النائمة وقد عافت نفسه النوم، وهنا تنطبق عليه مقولة غوغول، القاص الروسي، التي وردت في قصة الأنف:"ان سخافات عديدة تحدث في الكون، وأحيانا أشياء لا تطابق الواقع بحال من الأحوال ولكنها واقعية مائة بالمائة . والواقع هنا، هي تلك الفطرة التي انتمت اليها الطبيعة دائما، وكل التطورات الحاصلة في بنيتها ما هي إلا تزييف وخيانة فجة لمخلوقاتها ومنها الانسان بدعوي التطور، وفي هذه القصة يتحول سيف دون كيشوت الي غصن مقطوع في يد ماركو يغطي به سيوف المدينة الحجرية ويحجب انتصاراتها الوهمية.البطل المهزومفي نص الحمام البلدي يحاول ماركو أن يصيد الحمام الذي يمر بالمدينة مهاجرا، ويساعده أولاده علي ذلك، لكنه يكتشف في ما بعد أنه صاد الحمام الداجن، الذي يربيه الجيران فوق السطوح. قالت السنيورا: تعال يا ماركو فالدو. لقد أخبرت ان في سطح البيت ان شخصا يصطاد حمام المدينة. هل تعرف شيئا عن الأمر؟ ص27 ماركو فالدو في هذا النص تختفي الطيور المهاجرة، ممتلكة حريتها في تغيير أماكن وجودها، وتتحول الي حمام داجن تضمه الأقفاص، وكل حمامة من حمامات الأقفاص تحمل رقمها الخاص، وعنوان الدار الذي تعود اليه، فليس هناك خيار أمام ماركو غير ارجاع الحمامات التي اصطادها الي صاحبتها هو اذن عصر الاختناق وسوء الفهم، والضحك المتواصل علي رسم ايقاع بطل مهزوم، لم يفهم شيئا من تضاريس العصر الجديد، وما زال يعيش بعقلية أهل العصور الوسطي.كالفينو المبدع الحيكل قصص المجموعة، كان بطلها هو ماركو فالدو، كأنما يؤشر ايتالو كالفينو حقيقة غريبة مؤداها، أن العالم الصناعي الجديد قد قضي تماما علي ما تبقي من أمثال ماركو فالدو، ولم يبق في الساحة سواه، والذي سيتلاشي بدوره عما قريب، وهي صرخة الكاتب وسخريته من عالم سيفتقد عما قريب أمثال ماركو وما يثيرونه من حقيقة وصدق وعفوية في مجتمعاتهم، وما يضفونه عليها من البراءة والحلم وشفافيتهما، في عالم سيطرت عليه الكوابيس والآلات والضجيج والظلم الاجتماعي. ان قصص ايتالو كالفينو وعالم رواياته المتشابك يقول لنا أشياء عما تفعله الصناعة والعصر التكنولوجي بالانسان والمجتمعات بشعرية أخاذة يسمو فيها الحلم والترقب والرفض، ولن تكون مفاجأة للأوساط الثقافية في العالم أن لا يحصل ايتالو كالفينو علي جائزة نوبل خلال حياته فقد أخطأته عجلة نوبل ربما عن قصد كجزء من الحرب الباردة قبل تحلل المعسكر الاشتراكي، لمن هو أقل عطاء وتأثيرا. 


كاتب عراقي مقيم في المغرب 


ملاحظات 


1 ـ لا بد من الاشارة الي مقالة قيمة ترجمها منير ثروت، في مجلة المنار بعنوان أطلانطس الجديدة كاتبها ارنست بلوخ. 
2 ـ السيد بالومار ـ ترجمة ياسين طه حافظ ـ دار الشؤون الثقافية عام 1990 بغداد. 
3 ـ ماركو فالدو ـ مجموعة قصص ـ ترجمة منية سمارة ـ دمشق عام 1989 
4 ـ التحريف الذي اقترحه أي. هـ. يتيس: القصة القصيرة هي قصة قصيرة . واحد من تعريفات عشرين مقالة لأساتذة القصة القصيرة كتبها جارلس مي في كتابه نظريات القصة القصيرة ترجمة محمد نجيب لفتة ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ؟ بغداد ـ 1991. 
5 ـ راي.ب. وست القصة القصيرة في أمريكا ترجمة سميرة عزام ـ دار صادر ـ دار بيروت 1961

عمر المختار

 هو عمر المختار محمد فرحات ابريدان امحمد مومن بوهديمه عبد الله – علم مناف بن محسن بن حسن بن عكرمه بن الوتاج بن سفيان بن خالد بن الجوشافي بن طاهر بن الأرقع بن سعيد بن عويده بن الجارح بن خافي (الموصوف بالعروه) بن هشام بن مناف الكبير، من كبار قبائل قريش.[2]
من بيت فرحات من قبيلة بريدان وهي بطن من قبيلة المنفة أو المنيف والتي ترجع إلى قبائل بني مناف بن هلال بن عامر أولى القبائل الهلالية التي دخلت برقة. أمه عائشة بنت محارب.مولده ونشأته

ولد عمر المختار يوم 20 أغسطس عام 1861 م في قرية جنزور الشرقية منطقة بنر الأشهب شرق طبرق في بادية البطنان في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا.
تربى يتيما، لذلك كان كفله حسين الغرياني، عم الشارف الغرياني حيث وافت المنية والده المختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة وكانت بصحبته زوجته عائشة.
تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور على يد امام الزاوية الشيخ العلامه عبد القادر بوديه العكرمي أحد مشايخ الحركه السنوسية، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام محمد المهدي السنوسي قطب الحركة السنوسية، فدرس علوم اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى.
ظهرت عليه علامات النجابة ورزانة العقل، فاستحوذ على اهتمام ورعاية أستاذه السيد المهدي السنوسى مما زاده رفعة وسمو، فتناولته الألسن بالثناء بين العلماء ومشايخ القبائل وأعيان المدن حتى قال فيه السيد المهدي واصفاً إياه " لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم". لثقة السنوسيين به ولوه شيخا على زاوية القصور بالجبل الاخضر.
اختاره السيد المهدي السنوسي رفيقا له إلى السودان الأوسط (تشاد) عند انتقال قيادة الزاوية السنوسية إليها فسافر سنة 1317 هـ. وقد شارك عمر المختار فترة بقائه بتشاد في الجهاد بين صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية في المناطق الجنوبية (السودان الغربي،تشاد) وحول واداي. وقد استقر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً، ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلكه) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية. بقي هناك إلى ان عاد إلى برقة سنة 1321 هـ واسندت اليه مشيخة زاوية القصور للمرة الثانية.معلم يتحول إلى مجاهد

عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم، فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية في 29 سبتمبر 1911م، وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي، درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس، كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل أحمد الشريف السنوسي، وعندما علم بالغزو الإيطالي فيما عرف بالحرب العثمانية الإيطالية سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة. وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب العثمانيين من ليبيا سنة 1912م وتوقيعهم "معاهدة لوزان" التي بموجبها حصلت إيطاليا ليبيا، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي، منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16 مايو 1913م حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم، ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 أكتوبر 1913، وعشرات المعارك الأخرى.
وحينما عين أميليو حاكماً عسكريا لبرقة، رأى أن يعمل على ثلاث محاور:
الأول: قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا.
الثاني: قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي
الثالث: قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.
لكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في فبراير 1914م، ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.الفاشية والمجاهدون

بعد الانقلاب الفاشي في إيطالي في أكتوبر 1922، وبعد الانتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي، واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية.
بعد أن تأكد للمختار النوايا الإيطالية في العدوان قصد مصر عام 1923م للتشاور مع السيد إدريس فيما يتعلق بأمر البلاد، وبعد عودته نظم أدوار المجاهدين، فجعل حسين الجويفي على دور البراعصة ويوسف بورحيل المسماري على دور العبيدات والفضيل بوعمر على دور الحاسة، وتولى هو القيادة العامة.
بعد الغزو الإيطالي على مدينة اجدابيا مقر القيادة الليبية، أصبحت كل المواثيق والمعاهدات لاغية، وانسحب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر مثل وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والانضواء تحت قيادة عمر المختار، كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح، وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين، أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 فبراير 1926م، وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار، ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال.
لاحظ الإيطاليون أن الموقف يملي عليهم الاستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين، فخرجت حملة في يناير 1928م، ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا. ورغم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم، إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم، والدليل على ذلك معركة يوم 22 أبريل التي استمرت يومين كاملين، انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادا كثيرا.مفاوضات السلام في سيدي ارحومة
توالت الانتصارات، الأمر الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها وإجراء تغييرات واسعة، فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية، حيث عين بادوليو حاكماً عسكريا على ليبيا في يناير 1929م، ويعد هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الإيطالين والمجاهدين.
تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده، وطلب مفاوضة عمر المختار، تلك المفاوضات التي بدأت في 20 أبريل 1929م،
استجاب الشيخ لنداء السلام وحاول التفاهم معهم على صيغة ليخرجوا من دوامة الدمار. فذهب كبيرهم للقاء عمر المختار ورفاقه القادة في 19 يونيو 1929م في سيدي ارحومه. ورأس الوفد الإيطالي بادوليو نفسه، الرجل الثاني بعد بنيتو موسليني، ونائبه سيشليانو، ولكن لم يكن الغرض هو التفاوض، ولكن المماطلة وشراء الوقت لتلتقط قواتهم أنفاسها، وقصد الغزاة الغدر به والدس عليه وتأليب أنصاره والأهالي وفتنة الملتفين حوله.
عندما وجد المختار أن تلك المفاوضات تطلب منه اما مغادرة البلاد إلى الحجاز أو مصر أو البقاء في برقة وانهاء الجهاد والاستسلام مقابل الأموال والإغراءات، رفض كل تلك العروض، وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الاختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.
تبين للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم، ففي 20 أكتوبر 1929م وجه نداء إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أمام ألاعيب الغزاة. صحت توقعات عمر المختار، ففي 16 يناير 1930م ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين.غرتسياني

دفعت مواقف المختار ومنجزاته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد وتوصلت إلى تعيين غرتسياني وهو أكثر جنرالات الجيش وحشية ودموية. ليقوم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها وقد تمثلت في عدة إجراءات ذكرها غرسياني في كتابه "برقة المهدأة":
- قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.
- إنشاء المحكمة الطارئة في أبريل 1930م.
- فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية ونصب المشانق في كل جهة.
- تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الاعتقال والنفي والتشريد.
- العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.
إنتهت عمليات الإيطاليين في فزان باحتلال مرزق وغات في شهري يناير وفبراير 1930م ثم عمدوا إلى الإشباك مع المجاهدين في معارك فاصلة، وفي 26 أغسطس 1930م ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طن من القنابل على الجوف والتاج، وفي نوفمبر اتفق بادوليو وغرسياني على خط الحملة من اجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف، وفي 28 يناير 1931م سقطت الكفرة في أيدي الغزاة، وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.المختار في الأسر

في معركة السانية في شهر أكتوبر عام 1930م سقطت من الشيخ عمر المختار نظارته، وعندما وجدها أحد جنود الطليان وأوصلها لقيادته، فرائها غراتسياني فقال: "الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما".
وفي 11 سبتمبر من عام 1931م توجه عمر المختار بصحبة عدد صغير من رفاقه، لزيارة ضريح الصحابى الجليل رويفع بن ثابت بمدينة البيضاء. وكان أن شاهدتهم وحدة استطلاع إيطالية، وأبلغت حامية قرية اسلنطة التي أبرقت إلى قيادة الجبل باللاسلكى، فحرّكت فصائل من الليبيين والإرتريين لمطاردتهم. وإثر اشتباك في أحد الوديان قرب عين اللفو، جرح حصان عمر المختار فسقط إلى الأرض. وتعرّف عليه في الحال أحد الجنود المرتزقة الليبيين فيقول المجاهد التواتي عبد الجليل المنفي الذي كان شاهدا علي لحظه التي اسر فيها عمر المختار [3] من قبل الجيش الإيطالي "كنا غرب منطقة سلنطة...هاجمنا الأعداء الخيالة وقتل حصان سيدي عمر المختار، فقدم له ابن اخيه المجاهد حمد محمد المختار حصانه وعندما هم بركوبه قُتل أيضاً وهجم الأعداء عليه.. ورآه أحد المجندين العرب وهو مجاهد سابق له دوره.. ذُهل واختلط عليه الأمر وعز عليه أن يقبض على عمر المختار فقال: يا سيدي عمر.. يا سيدي عمر !! فعرفه الأعداء وقبضوا عليه... ورد عمر المختار على العميل العربي الذي ذكر اسمه... واسمه عبد الله... بقوله: عطك الشر وابليك بالزر".[4] نقلت برقية من موريتي، النبأ إلى كل من وزير المستعمرات دي بونو ووالي ليبيا بادوليو والجنرال غراتسياني، جاء فيها: "تم القبض على عمر المختار.. في عملية تطويق بوادي بوطاقة جنوب البيضاء. وقد وصل مساء الأمس إلى سوسة الكومنداتور دودياتشي الذي تعرف عليه ووجده هادئ البال ومطمئنا لمصيره، الخسائر التي تكبدها المتمردون هي 14 قتيلا".[5]
وتم استدعاء أحد القادة الطليان، متصرف الجبل الأخضر دودياتشى الذي سبق أن فاوض عمر المختار للتثبت من هوية الأسير. وبعد أن التقطت الصور مع البطل الأسير، نقل عمر المختار إلى مبنى بلدية سوسة، ومن هناك على ظهر طراد بحري إلى سجن بنغازى.
وفي 11 سبتمبر من عام 1931م، وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في الجبل الاخضر في كوكبة من فرسانه، عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات، واشتبك الفريقين في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدوفأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق، ولكن قُتلت فرسه تحته وسرعان ماحاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته، فنقل على الفور إلي مرسى سوسه في الجبل الاخضر ومن ثم وضع على طراد الذي نقله رأسا إلي بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش. ولم يستطع الطليان نقل الشيخ براً لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم.
كان لاعتقاله في صفوف العدو، صدىً كبيراً، حتى أن غراسياني لم يصدّق ذلك في بادئ الأمر، وكان غراتسياني في روما حينها كئيباً حزيناً منهار الأعصاب في طريقه إلي باريس للاستجمام والراحة تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في الجبل الأخضر، حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع. وفي حينها تلقى برقية مستعجلة من بنغازي مفادها إن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان. فأصيب غراتسياني بحالة هستيرية كاد لا يصدق الخبر. فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال، ويشير بيديه ويقول: "صحيح قبضوا على عمر المختار ؟ ويرد على نفسه لا، لا اعتقد." ولم يسترح باله فقرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلي مكتبه لكي يراه بأم عينيه.


الأسد أسيرا
المحكمة
لم يصدق وزير المستعمرات الخبر في البداية. وغراتسيانى الذي كان متوجها إلى باريس نزل من قطاره ليعود مسرعًا إلى بنغازى. ثم انقلبت دهشتهم إلى فرح هستيرى، والإصرار على "محاكمة فورية والإعدام بصورة صاخبة ومثيرة" كما جاء في برقية دى بونو وزير المستعمرات إلى بادوليو حاكم ليبيا. لكن ما فاجأ الطليان حقا، هو هدوء الأسير وصراحته المذهلة في الرد على أسئلة المحققين، بثبات تام ودون مراوغة: "نعم قاتلت ضد الحكومة الايطالية، لم أستسلم قط. لم تخطر ببالى قط فكرة الهرب عبر الحدود. منذ عشر سنوات تقريبا وأنا رئيس المحافظية. اشتركت في معارك كثيرة لا أستطيع تحديدها. لا فائدة من سؤالى عن وقائع منفردة. وما وقَع ضد إيطاليا والطليان، منذ عشر سنوات وحتى الآن كان بإرادتي وإذني. كانت الغارات تنفذ بأمري، وبعضها قمت به أنا بنفسي. الحرب هى الحرب. أعترف بأنه قبض علىّ والسلاح بيدى، أمام الزاوية البيضاء(مدينة البيضاء)، في غوط اللفو، هل تتصورون أن أبقى واقفا دون إطلاق النار أثناء القتال؟ ولا أشعر بالندم عما قمت به."[5] كما يذكر غرسياني في كتابه، وصل غرسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر، وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931م، وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار، يذكر غرسياني في كتابه (برقة المهدأة):
"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالَجَرِدْ) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح."
غراتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة لفاشستية ؟
أجاب الشيخ: من أجل ديني ووطني.
غراتسياني:ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟
فأجاب الشيخ: لا شيء إلا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.
غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم ؟.
فأجاب الشيخ: لا يمكنني أن أعمل أي شيء … وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الأخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح…
ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للانصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد، فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء، وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يديه كانت مكبلة بالحديد."المحاكمة

عقدت للشيخ الشهيد محكمة صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 سبتمبر 1931م، وبعد ساعة تحديداً صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت،
عندما ترجم له الحكم، قال الشيخ "إن الحكم إلا لله … لا حكمكم المزيف... إنا لله وإناإليه راجعون".
وهنا نقلا حرفيا لمحضر المحاكمة كما ورد في الوثائق الإيطالية:
إنه في سنة ألف وتسعمائة وواحدة وثلاثين ؛ السنة التاسعة، وفي اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر، ببنغازي، وفي تمام الساعة 17 بقصر "الليتوريو" بعد إعداده كقاعة لجلسات المحكمة الخاصة بالدفاع عن أمن الدولة، والمؤلفة من السادة :
- المقدم الكواليير اوبيرتو فانتيري مارينوني، رئيسا بالوكالة، نيابة عن الرئيس الأصيل الغائب لعذر مشروع.
- المحامي د. فرانشيسكو رومانو (قاضي مقرر).
- الرائد الكاواليير قوناريو ديليتلو (مستشار، أصيل).
- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير جوفاني منزوني، مستشار أصيل).
- رائد "الميليشيا التطوعية للأمن الوطني (الكواليير ميكيلي مندوليا، مستشار أصيل)، والرئيس بالنيابة عن الرئيس الأصيل، الغائب بعذر مشروع.
- بمساعدة الملازم بسلاح المشاة، ايدواردو ديه كريستوفانو (كاتب الجلسة العسكري بالنيابة).
للنظر في القضية المرفوعة ضد: عمر المختار، بن عائشة بنت محارب، البالغ من العمر 73 سنة، والمولود بدفنة، قبيلة منفة، عائلة بريدان، بيت فرحات ؛ حالته الاجتماعية : متزوج وله أولاد، يعرف القراءة والكتابة، وليست له سوابق جنائية، في حالة اعتقال منذ 12 سبتمبر 1931.
المتهم بالجرائم المنصوص عليها وعلى عقوباتها في المواد 284-285-286-575-576 (3)، والمادة 26، البنود: 2 - 4 - 6 - 10، وذلك أنه قام، منذ عام 1911م وحتى القبض عليه في جنوب سلنطة جنوب الجبل الاخضر في 11سبتمبر 1931، بإثارة العصيان وقيادته ضد سلطات الدولة الإيطالية، داخل أراضي المستعمرة، وباشتراكه في نصب الكمائن للوحدات المعزولة من قواتنا المسلحة وفي معارك عديدة وأعمال الإغارة للسلب والنهب واللصوصية مع ارتكاب جرائم قتل بدافع نزعته إلى القسوة والتوحش، وأعمال البطش والتنكيل، بقصد إحداث الدمار وسفك الدماء لفصل المستعمرة عن الوطن الأم.
بعد ذلك سمح للجمهور بدخول قاعة الجلسات، بينما جلس المتهم في المكان المخصص للمتهمين، تحت حراسة عسكرية، وهو طليق اليدين وغير مكبل بأغلال من أي نوع.
كما حضر وكيل النيابة العامة السينور "كواليير" أوفيتشالي جوسيبي بيديندو، كمدعي عسكري، والمكلف بالدفاع عن المتهم، المحامي، النقيب في سلاح المدفعية، روبيرتو لونتانو.
يعلن الرئيس افتتاح الجلسة. فيحضر أيضا المترجم السيد نصري هرمس الذي يطلب إليه الرئيس الادلاء ببيانات هويته فيجيب:
- نصري هرمس، ابن المتوفى ميشيل، وعمري 53 سنة، ولدت في ديار بكر ببلاد ما بين النهرين (العراق) رئيس مكتب الترجمة لدى حكومة برقة.
يكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة، بعد تحذيره حسبما هو مقرر، فيؤديها بصوت عال وبالصيغة التالية: (أقسم بأنني سأنقل الأسئلة إلى الشخص المقرر استجوابه بواسطتي بأمانة وصدق، وبأن أنقل الردود بأمانة).
فيوجه الرئيس، عن طريق الترجمان، أسئلة للمتهم حول هويته، فيدلي بها بما يتفق مع ما تقدم، ومن ثم ينبه عليه بالانصات إلى ما سيسمع. وعند هذه النقطة، يثبت في المحضر طلب وكيل النيابة بإعفاء المترجم نصري من المهمة بسبب وعكة ألمت به والاستعاضة عنه بالكواليير لومبروزو ابن آرونه وماريا قاندوس، المولود بتونس في 27 - 2 - 1891م، ومهنته صناعي.
فيكلفه الرئيس بأداء اليمين المقررة، بعد تحذيره نظاميا؛ يتلو كاتب الجلسة صحيفة الاتهام، فيتولى الترجمان ترجمتها للمتهم، ويسرد بعدها قائمة المستندات والوثائق المتصلة بالدعوى، وبعد سردها يكلف الرئيس الترجمان بترجمتها، حيث إن المتهم غير ملم باللغة الإيطالية، ومن ثم يبدأ استجوابه حول الأفعال المنسوبة إليه؛ فيرد عليها، ويتولى الترجمان ترجمة ردود المتهم عليها.
يثبت بالمحضر أن المتهم يرد بانتظام عن كل اتهام حسب ما جاء في محضر استجوابه المكتوب، معترفا بأنه زعيم المقاومة في برقة وبهذه الصفة فهو الفاعل والمحرض لجميع الجرائم التي اقترفت في أراضي المستعمرة خلال العقد الأخير من الزمن، أي الفترة التي ظل خلالها الرئيس الفعلي للمقاومة.
وردا عن سؤال، يجيب: منذ عشر سنوات، تقريبا، وأنا رئيس المحافظية. ويثبت هنا أن المتهم ظل يرد عن كل سؤال محدد حول تهمة بعينها، بقوله: (لا فائدة من سؤالي عن وقائع منفردة، وما أرتكب ضد إيطاليا والإيطاليين، منذ عشر سنوات وحتى الآن، كان بإرادتي وإذني، عندما لم أشترك أنا نفسي في تلك الأفعال ذاتها).
وردا عن سؤال، يجيب: (كانت الغارات تنفذ أيضا بأمري وبعضها قمت بها أنا نفسي). يعطي الرئيس الكلمة لوكيل النيابة: بعد أن تناول الكلمة، أوجز مطلبه في أن تتكرم المحكمة، بعد تأكيد إدانة المتهم بالجرائم المنسوبة إليه، بإصدار حكم الإعدام عليه وما يترتب عليه من عواقب.
ينهي الدفاع بدوره مرافعته بطلب الرأفة بالمتهم. وبعدما أعطى المتهم الكلمة كآخر المتحدثين، يعلن الرئيس قفل باب المناقشة، وتنسحب هيئة المحكمة إلى حجرة المداولة لتحديد الحكم. عادت المحكمة بعد قليل إلى قاعة الجلسات؛ لينطق الرئيس بصوت عال بالحكم بالإدانة، بحضور جميع الأطراف المعنية. فيقوم الترجمان بترجمة منطوق الحكم. أثبت تحريريا كل ما تقدم بهذا المحضر الذي وقع عليه: كاتب المحكمة العسكري.
الإمضاء: ادواردو ديه كريستوفانو، الرئيس (المقدم الكاواليير أوميركو مانزولي). كاتب المحكمة العسكرية، الإمضاء: ادواردوديه كريستوفاني (Edoardo De Cristofano). الرئيس: (المقدم الكاواليير أوميركو مانزوني) الإمضاء: أومبيرتو مانزوني (Umberto Marinoni). كاتب المحكمة العسكرية بالنيابة
اعدام الشيخ



نشر الاهرام نبأ اسر وقتل عمر المختار في 18/9/1931
.
في صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر 1931 الأول من شهر جمادى الأول من عام 1350 هـ، اتخذت جميع التدابيراللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران، واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم. واحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدي، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر، وبدأت الطائرات تحلق في الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم،
في تمام الساعة التاسعة صباحاً سلم الشيخ إلي الجلاد، وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء، فوضع حبل المشنقة في عنقه، وقيل عن بعض الناس الذين كان على مقربة منه انه كان يأذن في صوت خافت آذان الصلاة، والبعض قال انه تتمتم بالآية الكريمة "يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية" ليجعلها مسك ختام حياته البطولية.
سبق إعدام الشيخ أوامر شديدة الحزم بتعذيب وضرب كل من يبدي الحزن أويظهر البكاء عند إعدام عمر المختار، فقد ضرب جربوع عبد الجليل ضرباً مبرحاً بسبب بكائه عند إعدام عمر المختار. ولكن علت أصوات الاحتجاج ولم تكبحها سياط الطليان، فصرخت فاطمة داروها العبارية وندبت فجيعة الوطن عندما علا الشيخ شامخاً مشنوقاً، ووصفها الطليان "بالمرأة التي كسرت جدار الصمت".
أما المفارقة التاريخية التي أذهلت المراقبين فقد حدثت في سبتمبر 2008 عندما انحنى رئيس الوزارء الإيطالي برلسكوني، ]]، أمام ابن عمر المختار معتذراً عن المرحلة الاستعمارية وما سببته إيطاليا من مآسٍ للشعب الليبي، وهي الصورة التي قورنت بصورة تاريخية أخرى يظهر فيها عمر المختار مكبلاً بالأغلال قبيل إعدامه.
[عدل]اخر كلمات الشهيد

كانت اخر كلمات عمر المختار قبل اعدامه:
"نحن لا نستسلم... ننتصر أو نموت.... وهذه ليست النهاية... بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه... اما أنا... فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي."
المختار في الشعر والادب

عمـــر المختـــــار
للشاعر المرحوم الشيخ حسين الاحلافي
عنـــدما نشرت صورة الشهيد عمرالمختار وهو مكبل
بالحـديد ليدفع إلى الجلاد بقرية " سلوق "، وقد ظهر
بالصورة ضباط الطليــان يبدو على وجوههم السرور
بهــــذا الانتصـــار والقضــاء على المقـاومــة، رأيت أن أعبـّر عمــّـا يجيــش بنفســي مـن شعـور

معلومات  قصيدة لا تعدليه لابن زريق
 1-يناجي الشاعر نفسه ويطلب منها ألا تطيل في العتب واللوم لأن العتب يزيد عذابه ويعلم أنها تقول الحق ولكنه لن يصغ لها وهذا الصراع بين نداء الروح والواقع....
2-
لقد زادت تلك النصائح الكثيرة الشاعر هماً وحزناً في الوقت الذي حسبت فيه أن هذه النصائح ستفيده وتعيده للصواب.....
3-
اتبعي في نصحه أسلوب الرفق واللين لأن قلبه عليل وحزين على ما أصابه جراء ظروف حياته الصعبة..
4-
لقد كان قادراً على تحمل المصائب وتجاوزها ولكن تلك الهموم والمصاعب الكثيرة جراء سفره وترحاله أثقلت كاهله وأتعبته.
5-
يكفيه من الحزن والهم تلك المخاوف التي يعاني منها أثناء سفره وترحاله ويضاف إليها بعده عن محبوبته وما كان هذا إلا ليزيده همأً فوق همه..
6-
في أمانة الله ورعايته أفارق المحبوبة في كرخ بغداد ...تلك المحبوبة التي كانت آية من الحسن...قمراً في طلتها يشع نوراً وسط نجوم السماء.
7-
في لحظة الفراق وعندما حانت لحظة الوداع وددت لو أنني أفارق رغد الحياة ولا أصل إلى لحظة الوداع الأليمة هذه.
8-
كأين من كم مرة تككر الرجاء بعدم الفراق ولكن ظروف الحياة الصعبة أرغمتني على ما لا أرجوه وهو السفر والرحيل.
9-
وعندما تربعت الشمس على عرشها معلنة ساعة الرحيل انهمرت الدموع من أعيننا وانتفضت الآهات من قلوبنا التي تعلقت بأمل عدم الفراق.
10-
تالله إن كل عذر أقدمه لكي أبرر به رحيلي وابتعادي عن محبوبتي هو عذر واهٍ ولكنني أتمسك به لأحاول إقناعها ونفسي بهذا السفر..............
11-
وحاولت أن أقنع النفس بضرورة الرحيل ولكنها أبت وانتفض القلب رافضاً كل عذر يبرر البعد عن المحبوبة.
12-
نُصِبتُ ملكاً في مملكة الحب التي شيدتها قلوبنا الصداقة بمشاعرها وعواطفها ولكن سوء تدبيري وقيادتي أدى إلى تنحيتي عن هذا العرش.
13-
وكل إنسان أنعم الله عليه ونسي أن بشكره ويحمده على هذه النعم فلا بد أن تأتي ساعة يجرد فيها من هذه النعم.
14-
بعد هذا الرحيل والفراق الذي حرمني من رؤية آية الجمال والحسن في وجهها لمشرق أخذت أتجرع من كأس الحزن والألم الذي تجرعت منه محبوبتي ايضاً.
15-
فبعد ما قشيت من أيام السهر والأرق والفجيعة علت الأصوات قائلة ها أنت تعاني مما اقترفت من رحيل وابتعاد عن محبوبتك فيجيب قلبي الحزين هذا ما اقترفته ولست أتنصل منه.
16-
يا من تربعت في عرش قلبي إن بعدي عنك أضنى الجسد وأدمى الفؤاد وسرق النوم من عيوني .
17-
فمنذ أن اخترت الرحيل مصيراً مؤلمأً لي أصبحت حياتي جحيماً وبت أجهل طعم النوم والرحة التي حرمت محبوبتي أيضاً.
18-
أتمنى أن تعود أيام الفرح والسعادة وأجتمع بمحبوبتي بعد كل هذا الألم والحزن الذي سببه لنا الفراق.
19-
فإن عاجل القدر أحدنا وحكم بعد اللقاء في هذه الحياة فلن يكون للآخر مكان فيها بعد موت محبوبته.
20-
وإن حكم القدر باستمرار البعد والفراق فمن ذا الذي يستطيع أن يغير من حكم الله وقضائه فما علينا سوى الاستسلام لمشيئته.